مدين بن عبد الرحمن القوصوني المصري
311
قاموس الأطباء وناموس الألباء
وقوى سلطانه صرع صاحبه كالذي يصرع من مس الجن فإذا مر به الجن سألوا عنه فيقال لهم مسّه الانس وأصله غالبا النفس لان الانسان مركب من العقل وهو الامار بالخير وفايدته العدل ومن النفس وهي الامارة بالسوء وفايدتها الشهوة وهما شيئان عظيمان في الانسان ولا يتفقان ابدا فان غلب العقل النفس سلم الانسان من شر الشيطان وان غلبت النفس العقل عميت البصيرة ووقع الانسان في الحيرة وقال بعضهم تحقيق العشق انه ليس هو الحسن والجمال وانما هو تشاكل النفوس وممازجتها في الطباع المخلوقة قال الشاعر وما الحب من حسن ولا من سماحة * ولكنه شئ به الروح تكلف وهذا العشق هو الكائن في النفوس عن الأعين واما الرسوم الظاهرة المرئية فهي الاجتماع والمحادثة والقبلة والجماع فإن كان العشق بالمشاكلة زاد بالرّسوم وثبت وتمكن وان لم يكن بالمشاكلة فهو عرض والاعراض زايلة ومثل هذا يزول بسرعة إذ الأصل له بالمشاكلة وفي منازل الأحباب عن أبي الهذيل العلاف قال لا يجوز في دور الفلك ولا في تركيب الطباع ولا في القياس ولا في الحسّ ولا في الواجب ولا في الممكن ان يكون محب ليس لمحبوبه اليه ميل انتهى ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ويشهد له أيضا انك لا تجد اثنين يتحابان الا وبينهما مشاكلة واتفاق في بعض الصّفات ولهذا اغتم بعض الحكما حين وصف له رجل من أهل النقض انه يحبه وقال ما أحبني الا وقد وافقني في بعض أخلاقه قال بعضهم وسببه النفساني الاستحسان والفكر وسببه البدني ارتفاع البخار إلى الدماغ قال الشيخ وعلامته غؤر العين ويبسها وعدم الدمع الا عند البكاء وحركة متّصلة للجفن ضحاكة كأنه ينظر إلى شئ لذيذ أو يسمع خبرا سارا أو يمزح ويكون نفسه كثير الانقطاع والاسترداد فيكون كثير الصعدا ويتغير حاله إلى فرح وضحك أو إلى غم وبكاء عند سماع الغزل ولا سيما عند ذكر الهجر والنوى وتكون جميع أعضائه ذابلة سوى العين فإنها يكون سمينة ولا يكون لشمائله نظام ويكون نبضه مختلفا بلا نظام ويتغير نبضه وحاله عند ذكر المعشوق وخاصة عند لقائه ويمكن من ذلك ان يستدل عليه إذا لم يكن معروفا فان معرفته أحد سبل علاجه والحيلة في ذلك ان تذكر أسماء كثيرة مرارا متعددة وتكون اليد على نبضه فإذا اختلف اختلافا كثيرا وو صار كالمنقطع عند ذكر اسم منها علمت أنه اسم المعشوق ثم تذكر أيضا السكك والمساكن والحرف والصناعات والنسب والبلدان وتضيف كلا منها إلى اسم المعشوق فإذا تغير عليك النبض عند ذكر شئ منها عرفته فانا قد جربنا هذا ثم إن لم تجد علاجا الا تدبير الجمع بينهما على نحلة الشريعة فعلت فانا رأينا من عاودته السلامة وكان قد بلغ الذبول لشدة العشق لما أحس بوصل من معشوقه معاودة في اقصر مدة قضينا بها العجب العجاب واستدللنا على طاعة الطبيعة للأوهام النفسانية انتهى ملخصا وعلاجه استعمال ما يخرج السوداء وما يرطب وينوم من الأغذية والأشربة وبالجملة فلا شئ كالوصال فإن لم يتفق على الوجه الشرعي فيحتال في تعشق غير المعشوق ممن تحله الشريعة وان كان العاشق من العقلاء نفعته النصيحة والعظة والاستهزاء به والتصوير لديه ان ما به ضرب من الجنون والوسواس فان الكلام في مثل هذا الباب ينفع نفعا عظيما خاتمة قال بعضهم العشق مبتداه يصفى الهم